أحمد بن محمد ابن عربشاه
423
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
تزجى أغنّ كأن إبرة روقه * قلم أصاب من الدّواة مدادها فهجم عليهما ودنا إليهما ، فلما قصدهما تركا ولدهما ، ففوّق السهم الخفيف ، نحو الحشف الضعيف « 1 » ، فلما رأت أمه السهم ، داخلها الوله والوهم ، فقصدت للسهم دون ولدها واستقبلت نصل كبد القوس بكبدها فأراد إطلاق السهم من الكبد ، ليصيب به نحر أم الولد ، فاعترضه الفحل بصدره ، وتلقاه دون نحرها بنحره ، وجعل نفسه وقاية لأم ولده ، وفداهما بروحه وجسده ، فتذكر كسرى ولده وأمه وضاعف حزنه عليهما همه وغمه ، وتذكر ما سلف منه في حق زوجته ، وما عاملها به حين وقع به من الغضب في سورته ، وتأمل ما قالته في حق قرة مهجته ، وما أجاب في ذلك ، إلى أن وردت إلى المهالك . وقال : إذا كان هذا الحيوان ، الباغم المائق حمى حقيقته « 2 » برمحه كحماة الحقائق ، فلم لم يفعل ذلك الحيوان الناطق ، ثم فاضت دموع عينيه ، فرمى القوس والسهم من يديه ، ورجع متفكرا وعلى ما فرط منه متحسرا ، ودعا الوزير الناصح المجير والمستجير ، وذكر له ذلك النكد وما رآه من الغزالين والولد ، وتحرق على فقد حظيته وتألم لمصاب فلذة كبدته ، فدعا له الوزير ، وقال : الصبر نعم النصير كان قد سبق منى إشارة ، ولكن المفرط أولى بالخسارة ، الصديق الصادق ، والرفيق الموافق ، يقول : ما أصنع نصحت فلم يسمع ، والخبيث المنافق والحسود المماذق « 3 » ، يقول : أردت أن أقول ولكن تركت الفضول ، ولا حيلة للملك والوزير ، فيما جرى به قلم التقدير ، ثم دعا له وانصرف ، وعبّى حملا من الهدايا والتحف ، وألبس ابن الملك أفخر ملبوس ، وجهز أمه كما تجهز العروس ، وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدمات السلطانية ، وأقبل بهما إليه وعرض كل ذلك عليه .
--> ( 1 ) الضرع الضعيف اللبن . ( 2 ) زوجته . ( 3 ) الخائن .